الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
363
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الله ، وكل الخلق عياله . وأن تقاسم الأنصار لأموالهم مع المهاجرين إنما هو من دواعي الافتخار والاعتزاز ، ولا ينبغي أن يمنوا به على أحد . ثم يقول تعالى في إشارة أخرى إلى مقالة أخرى سيئة من مقالاتهم يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . وهذا نفس الكلام الذي أطلقه " عبد الله بن أبي " ، ويريدون من ورائه أنهم أهل المدينة الأصليون الذين سيخرجون منها الرسول وأصحابه من المهاجرين ، بعد عودتهم من غزوة بني المصطلق التي مرت الإشارة إليها . ورغم أن هذا الحديث صدر عن رجل واحد ، لكنه كان لسان حال المنافقين جميعا ، وهذا ما جعل القرآن يعبر عنهم بشكل جماعي " يقولون . . . " فيردهم ردا حازما إذ يقول : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون . ولم يكن منافقو المدينة وحدهم الذين رووا هذا الكلام ، بل سبقهم إلى ذلك رؤساء قريش عندما قالوا : ( سينتهي أمر هذه المجموعة القليلة الفقيرة من المسلمين إذا حاصرناهم اقتصاديا أو أخرجناهم من مكة ) . وهكذا نرى اليوم الدول المستكبرة وهي تحذر الشعوب التي ترفض الخضوع لسيطرتها ، بأنها تملك الدنيا وخزائنها ، فإن لم تخضع لها تحاصر اقتصاديا لتركيعها . وهؤلاء هم الذين طبع على قلوبهم واتخذوا منهجا واحدا على مدى التاريخ ، وظنوا أن ما لديهم باق ، ولم يعلموا أن الله قادر على إزالته وإزهاقه بلمحة بصر . وهذا النمط من التفكير ( رؤية أنفسهم أعزاء والآخرين أذلاء وتوهم أنهم أصحاب النعمة والآخرون محتاجون إليهم ) هو تفكير نفاقي متولد من التكبر والغرور من جهة ، وتوهم الاستقلال عن الله عز وجل من جهة أخرى ، فلو أنهم أدركوا حقيقة العبودية ومالكية الله لكل شئ فمن المحال أن يقعوا في ذلك التوهم الخطير . .